مُدَوَّنَةُ الْفَجْرَ الْجَديدَ تُرْحِبُ بالإخوة الزّائِرَيْنِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَنَرْجُو مِنْ اللهِ أَنْ الْمُدَوَّنَةَ وَمَا فِيهَا تَحَوُّزَ إعجابكم ومتمنين مِنْ اللهِ الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ لَكُلَّ زَوَّارَ وأعضاء الْمُدَوَّنَةَ إدارة الْمُدَوَّنَةَ

المصريون | "المصريون" تفتح ملف الثأر فى الصعيد وتضع الأسباب والحلول..الانفلات الأمنى الذى أعقب الثورة ساعد على انتشار الأسلحة الثقيلة وزيادة جرائم الثأر

المصريون | "المصريون" تفتح ملف الثأر فى الصعيد وتضع الأسباب والحلول..الانفلات الأمنى الذى أعقب الثورة ساعد على انتشار الأسلحة الثقيلة وزيادة جرائم الثأر

الثأر كلمة تتكون من خمسة أحرف، لكنها تمثل كارثة محققة فى عالم الجريمة، بما تحمله من إزهاق لأرواح بريئة، ولم تفلح التكنولوجيا بكل ما حملت من تقدم علمى فى إثناء "الصعايدة" عن عادة الأخذ بالثأر، رغم نجاحها فى قلب أنظمة مستبدة، وكأن العادات والتقاليد الجامدة أكبر بكثير من أى تقدم أو حضارة، فى الوقت الذى تكبد جريمة الثأر مرتكبها العديد من الأموال والجهد، وتضع الإنسان على شفا حفرة من النهاية.
الثأر الذى حصد المئات من الأرواح فى صعيد مصر على مدى العصور، قام على أسباب تافهة لا ترقى إلى مستوى الجريمة، لكن الجمود الفكرى والعصبية عند "الصعايدة"، حولته إلى ساحة حرب فى كثير من البلاد.
وما تشهده حاليا محافظة قنا، من تناحر وقتال بين قبيلتى الأشراف والحميدات، يفتح مجددًا هذا الملف، ففى الوقت الذى اندلعت فيه الثورة، وظننا أن الحياة قد تغيرت بعض الشئ فى كثير من محافظات الصعيد، فوجئنا بما حدث بين القبيلتين، والذى يؤكد أن شيئا من عادات وتقاليد "الصعايدة" لم يتغير، فقد بدأ الصراع بين "الأشراف والحميدات"، والتى بدأت بمشاجرة بين سائقى تاكسى على أولوية المرور، وانتهت بحرب شوارع، وخلال هذه السنوات، حصد الصراع عشرات الأبرياء من الجانبين، ولم تفلح طوال السنوات مساعى الصلح، بينهما ولم تكن تلك الجلسات سوى مسكنات ومهدئات، سرعان ما تقوم على أتفه الأسباب.
وقال شهود عيون لـ"المصريون"، إن عملية شراء الأسلحة من الجانبين، تخطى ثمنها ثلاثة ملايين جنيه وإن ظهور أسلحة حديثة ومتطورة، كالجرينوف والطلقات الكاشفة، أظهر خطورة بالغة فى تطور الصراعات بين القبائل والعائلات الصعيدية، وهو ما ينذر بوقوع كوارث، نظرا لعدم تحديد طريقة للكشف عن كمية ونوع الأسلحة المتواجدة داخل كل منزل فى الصعيد.
ومن عادات تلك الثقافة المنتشرة ما يحدث فى معظم جرائم الأخذ بالثأر فى القرى، وما تنتهجه أمهات العائلات المقتول والدهم، تقدم طبق طعام فارغًا فى كل وجبة أمام أفراد تلك الأسرة لتذكيرهم بالثأر الذى عليهم أن يأخذوه.
ومن أبرز الوقائع التى حدثت فى هذا الشأن، حادثة أولاد علام، التابعة لمركز جرجا بمحافظة سوهاج، الذى وقعت أحداثها فى شهر أغسطس عام 2002، حيث يعد هذا الحادث هو الأكبر لجرائم الثأر فى التاريخ، وسبب تلك المشكلة نشوب مشاجرة بين عائلتين، للخلاف على لعب الأطفال، كما أن المُحاكمة القضائية التى أُجريت فى أعقاب هذا الحادث، انتهت بالحكم بالإعدام على ستة من المتهمين، وهو ما هيأ الفرصة لنجاح جهودٍ قام بها وسطاء كثيرون، بدعمٍ من الأجهزة المحلية، تلافياً لاشتعال نيران مسلسل جرائم الثأر بين العائلتين، وتم توقيع اتفاق تصالحٍ بينهما ألزم أفراد أُسر القتلة حينها بدفع ديةٍ قدرها 120 ألف جنيه مصرى لكلّ أسرةٍ من أُسر الضحايا.
الثأر فى المنيا
من القرى الشهيرة بالثأر فى محافظة المنيا، قرية الدير بسمالوط، والتى تشهد العديد من حوادث الثأر، أبرزها ما حدث بين عائلتى عمرو وأبوزيد، بسبب التنافس على منصب "العمودية"، والتى بدأت منذ حوالى 75 عاما، وقد بدأ الصراع بطعنة سددها أحد أفراد العائلة لشاب آخر بسبب مزاح بين شابين، تطورت إلى قيام أحدهما بطعن الثانى، ورغم حبس الجانى سنة، إلا أن الصراع ظل ممتدا بين الطرفين، وقد فشلت وسائل الصلح بين الطرفين، وقد سقط على إثر ذلك 12 قتيلا من العائلتين.
ومن القرى التى شهدت مآسى الثأر فى المنيا، قرية نزلة شادى بمركز سمالوط، بين أفراد عائلة الأزهرى وأبناء عمومتهم، وقد امتد النزاع لأكثر من 25 عاما.
ولم ينس تاريخ الجريمة، قصة عيد سفاح المنيا ،الذى اتهم بقتل 56 شخصا من بنى قريته، فى أبشع جريمة ثأر فى تاريخ الجريمة، ولم يسقط عيد حتى تعرض لحصار أمنى كبير لقى على إثره مصرعه.
الثأر فى الفيوم
على بعد 90 كيلو مترًا من القاهرة، تقع محافظة الفيوم والتى شهدت منذ سنوات ليست ببعيدة واقعة ثأر امتدت إلى خارج حدود القطر المصرى، حيث احتد الخلاف بين عائلتين بالفيوم، وبعد جلسة صلح، خرج أحد الشباب عن الاتفاق المبرم، وسافر إلى الأردن، ليقتل أحد أفراد العائلة الأخرى، فعلمت الأخيرة بذلك، مما دفعها إلى تسفير عشرة من شبابها للحاق به وقاموا بقتله فى الأردن.

فتش عن المرأة
المرأة ليست ببعيدة عما يدور فى المجتمع، فإن خبراء علم النفس الاجتماعى أكدوا أنها المحرّكة والدافعةُ لارتكاب المزيد من جرائم الثأر فى معظم حالاته، هذا وبالرغم من انتشار التعليم واهتمام الأجهزة المعنية بالتخلص من تلك الظاهرة، إلا أنها مازالت متواجدة ومنتشرة.
كما أكد الخبراء على أن عناصر الأسرة الأخرى تُسهم بشكل فاعل فى إشعال نيران الكثير من جرائم الثأر، ولكن تبقى المرأةُ هى العنصر الأكثر تأثيراً فى التحريض على ارتكاب الكثير من هذه الجرائم.


قتلى الثأر قارب عددهم ضحايا الحروب

حصد الثأر على مدى السنوات الماضية فى مصر أرواح المئات فى جنوب البلاد، حتى إن بعض الدراسات فى هذا الشأن، قاربت عدد قتلى الثأر بضحايا حروب مصر الحديثة، التى خاضتها مصر فى التاريخ، وتشير أحدث إحصائيات أجهزة الأمن فى مصر إلى أن نحو 196 قتيلا و214 جريحا، سقطوا ضحايا حوادث ثأر خلال الشهور الخمسة الأولى خلال أحد الأعوام فى ثلاث محافظات فقط فى صعيد مصر الأوسط، هى أسيوط وسوهاج وقنا، بمعدل قتيل أو جريح يوميا فى المحافظات الثلاث.

ولا توجد أدلة تاريخية موثقة تشير إلى أن مصر الفرعونية عرفت ظاهرة الثأر، كما أجمع معظم المؤرخين على أن مصر عرفت تلك الظاهرة مع هجرة القبائل العربية إليها عقب الفتح الإسلامى فى العام 20 الهجرى الموافق عام 685 الميلادى، عندما نزحت القبائل العربية آنذاك إلى البلاد.

"البدارى" شيكاغو الصعيد

وعلى الرغم من تفاعل محافظات الصعيد مع المجتمع المصرى فى العقود الأخيرة، إلا أنها ظلت عالما قائما بذاته منغلقا على نفسه، لا يأبه بالقانون الوضعى السائد، وقد ساعد على ذلك البعد المكانى المعزول ثقافيا عن مناطق الإشعاع الحضارى منذ مئات السنين، إذ كان الاعتماد الأساسى فى كسب العيش، على الزراعة، وما تفرضه من قيم خاصة كالتواكل والاستقرار والانعزال عن الآخرين وعدم الاحتكاك بهم.

وتبرز عادة الثأر بوصفها علامة من علامات النفوذ والهيمنة فى صعيد مصر، وتعد مدينة البدارى التابعة لمركز أسيوط فى قلب الصعيد إحدى أكثر المدن التى تنتشر فيها تلك الظاهرة، ما دفع جهات الأمن إلى إطلاق لقب «شيكاغو الصعيد» عليها، نظرا لتعدد وضراوة عمليات القتل فيها.
وتقول مصادر أمنية مطلعة إن معظم أهالى البدارى لديهم ثأر ضد بعضهم البعض، وبعض العائلات بها قد يصل عمر الخلاف بينهم إلى أكثر من خمسين عاما، فاتفاقات الصلح التى تمت بينهم كانت أشبه بهدنة يتم خرقها مرارا، فيما تزداد العمليات ضراوة كلما اتجهت جنوبا، وخصوصا فى محافظة قنا التى تشهد على فترات متباعدة أزمات عنيفة بين أكبر قبيلتين فيها، الهوارة والأشراف، وبعضها أزمات استمرت ما يقرب من قرن من الزمان، وتطورت المواقف بين العائلتين فيها إلى درجة «إعلان الحرب» رسميا، وكأنهما دولتان!.

اختيار الضحية
ويختار الشخص الذى ينوى القصاص وفق تلك العادة المنبوذة ضحيته بعناية فائقة، وينطلق هذا الاختيار من اعتقاد أشبه بالقانون بأنه يجب استهداف «أكبر رأس»، وأفضلها فى العائلة المطلوب الثأر منها، وفى أحيان كثيرة تكون «رؤوس عدة» فى مقابل رأس واحدة، على نحو ما حدث فى مجزرة قرية بيت علام فى سوهاج التى جرت وقائعها العام قبل نحو 7 سنوات، ولقى فيها 22شخصا مصرعهم من عائلة «الحنيشات» مقابل واحد فقط من عائلة «عبدالحليم» التى تعهدت علنا برد ثأرها مضاعفا أربع مرات.

ويعد عبدالفتاح عزام، محافظ الجيزة الأسبق، وأحد أحفاد عبد الرحمن باشا عزام، أول أمين عام لجامعة الدول العربية، أبرز ضحايا الثأر فى مصر، فقد قتل الرجل داخل سيارته فى العام 1982 بنحو 72 طلقة رشاش، نتيجة ثأر بين عائلته وعائلة «خضر»، ولم تتقبل أسرته العزاء طيلة أربع سنوات حتى تدخل شيخ الأزهر آنذاك جاد الحق على جاد الحق ووزير الثقافة السابق أحمد هيكل، للوساطة بين الطرفين، واضطر وزير الداخلية وقتها زكى بدر إلى إصدار أوامر اعتقال لأكبر عدد من أفراد العائلتين ومصادرة سلاحهما.


أنا وابن عمى على الغريب

ولا ينسى "الصعايدة" فى مصر حتى الآن تلك الموقعة الشهيرة، التى تمت فى الستينيات فى محافظة المنيا مسقط رأس قائد الجيش المشير عبدالحكيم عامر، عندما وقعت حادثة ثأر حصدت فيها الأسلحة الآلية عشرات الرءوس، واتسع نطاقها، فأرادت الدولة إظهار الحسم مع طرفى الثأر، فاقتحمت فرقة من الجيش قريتهم بالأسلحة الثقيلة، وبعثت بالطائرات لردعهم، فاتحد الطرفان ضد القوات الغازية وحين هدأت الأمور عادا لتصفية خصومة الثأر بينهما، وتزداد جرائم الثأر فى مصر خلال شهرى يوليو وأغسطس، بنسبة 35%، مع ارتفاع أعواد الذرة فى الحقول، وبنسبة 26%، فى شهر إبريل مع بداية موسم الحصاد، لأن الفلاحين يبيعون المحاصيل ويستطيعون بثمنها شراء الأسلحة الأوتوماتيكية، وتوكيل أشهر المحامين للدفاع عن أبنائهم بعد ارتكاب الجريمة، فالصعيدى الحقيقى لا يقبل بالقود أبدا.

والقود هى تلك العملية التى تتم عقب جرائم الثأر الكبيرة، وفيها يقوم القاتل بحمل كفنه بين يديه، ويذهب إلى أسرة القتيل طالبا منهم الصلح ووقف شلال الدماء، وعادة ما يحضر تلك الجلسات النادرة للصلح رؤساء القبائل، لكنها لا تجد إقبالا من الغالبية العظمى لأبناء الصعيد، نظرا إلى ما تنطوى عليه من فضيحة وإذلال للقاتل الذى يظل فى حكم الأسير لأسرة القتيل، لا يتزوج إلا بإذنهم ولا يغادر البلاد إلا بعد موافقتهم، ويذهب الصعيدى القاتل فى «القود» حاملا كفنه بين يديه فيلقاه والد القتيل أو شقيقه وفى يده سكين، وينام القاتل على التراب فيما يذبح أحد أهل القتيل إلى جوار رأس النائم تحت يديه خروفا أو ماعزا أو بقرة، كل حسب قيمته أو مدى تقبل أهل القتيل للدية التى يعرضها وإعلانه الندم، غير أن الذى يذهب لـ«القود» يكون ملفوظا من أهله، كونه فضحهم وتسبب فى أن تلوك الألسنة سيرتهم على أنهم قبيلة لم تتحمل «أيام الجمر»، التى يفرضها الدم المراق من الجانبين.
محافظة قنا
ما إن تطأ قدمك إليها تشعر وكأنك فى إحدى مدن فرنسا الجميلة التى لا تنام، ولكن تؤججها العصبية القبلية، وتكسو على أهلها ملامح الطيبة التى تتحول إلى قوة لا ترحم للوصول إلى الزعامة أو الأخذ بالثأر.
الثأر فى "قنا" شبح يهدد اليابس والأخضر ويقف عائقا أمام تقدم العائلات، فهو معكر بالدماء، دائما تنشق من طياته رائحة وأصوات الطلقات النارية التى تطلق من أجل معارك بين العائلات والقبائل، أو تكون كنوع من الوجاهة والزعامة والتى ترغب كل قبيلة أن تفرضها على الأخرى.

الخصومات القبائلية فى قنا
ترجح القبائل فى قنا دائما إلى كفة الثأر، حفاظاً على العرف السائد الذى يدفعهم إلى إنكار عائلة المجنى عليه معرفتهم بالجناة، بهدف اصطيادهم بعيداً عن أيدى العدالة والقانون.


ورغم كل ما يبذل لوأد تلك الخصومات الثأرية بقنا، إلا أن محافظة قنا، مازالت تعانى من الصراعات فى مركز قوص، حيث توجد 3 خصومات بين عائلتى "الديك" و"الدحو"، بقرية المسير، وأبناء العمومة من عائلة العبايدة، فى قرية خزام، عائلتى "العروات" و"القرنات"، بقرية حجازة، والتى تقع فى أقصى الجنوب.

كما يوجد أيضا العديد من الخصومات بقرية الحجيرات التابعة لمركز قنا، والتى تشتهر بزراعة المخدرات وتجارة السلاح بين عائلتى "شحات" و"عبد القادر"، وكذلك "العمارنة" و"عبد المطلب"، والثالثة بين عائلتى "أبو جودة" و"عبد الباقى"، فقد شهدت تلك القرى مذبحة جماعية داخل سرادق عزاء، تحول فى لحظة إلى مقبرة للمعزيين، الذين حضروا للمواساة وتقديم واجب العزاء فى طفل لا يتجاوز عمره 10سنوات، وينتمى إلى عائلة "عبدالمطلب"، حيث إن نار الثأر‏ ظلت مشتعلة داخل نفوس أهالى قرية الطفل، والذى ينتمى لأكبر العائلات فى قرية الحجيرات، حيث تحول واجب العزاء بين عشية وضحاها إلى لحظة سفك الدماء والأخذ بالثأر، وذلك فى الذكرى السنوية للقتيل.
حيث ظهر السواد المتشح فى قرية الحجيرات، وصار الظلام والعويل، بعدما أقدم أفراد عائلة العمارنة ليتمكنوا من قتل أكبر عدد من عائلة "عبدالمطلب" أخذا بالثأر لحادث مقتل طفل لم يتجاوز العشر سنوات وراح العديد من الأشخاص فى تلك المجزرة.


أبوخزام ونجع الخربة

امتدت خصومات عائلة "العبايدة"، وعائلة "أبوعليقى"، فى قرية البراهمة فى فقط، بعد ثأرها من أبناء عائلة "أبو عليقى"، بالإضافة إلى 6 صراعات أخرى بين عائلات قرى الوقف والسمطا والمحارزة وأبو حزام ونجع خربة.



ويوجد أيضا قرية السمطا، والتى تشتهر أيضا بتجارة السلاح وزراعة القصب، حيث تم الصلح بين عائلتى "طافش" و"الشعايبة" وقبول الدية من عائلة القاتل، إلا أن والد القتيل قرر الثأر والانتقام لنجله، وقام بالتربص لأحد أبناء عائلة "الشعايبة"، وقام بقتل طالب بكلية الحقوق.



وهناك أيضا العديد من القرى والعائلات الصعيدية التى تشتهر بالثأر فى قنا، منها قرية قفط والتى تسمى بعائلة شيخ العرب، فهذه القرية تعد من القرى التى قاومت الاحتلال الفرنسى عام 1799، وقام أهالى نجع البارود من صد الحملة، وكان لهم دور فى القضاء على الأسطول الفرنسى، وكثيرا ما شهدت أعمال أخذ بالثأر.


كما شهدت محافظة قنا فى الانتخابات أحداثًا شديدة فى عام 1995، أدت إلى مصرع 11 شخصا من قبائل العرب والهوارة، نتيجة التنافس الشديد بين العائلات على انتخابات مجلس الشعب، والتى كانت فى نجع حمادى، وهناك أيضا العديد من القرى التى يوجد بها جرائم وخصومات ثأرية، كما أنها الأكثر بيعا للسلاح أيضا، منها قرية الشعانية فى نجع حمادى.

كما شهد أيضا مركز قوص فى أقصى جنوب محافظة قنا، العديد من الخصومات بين عائلات "الديك" و"الدحو" بقرية المسير، وأبناء عمومتهم من عائلة "العبايدة" فى قرية خزام، وعائلتى "العروات والقرنة" بحجازة وعزبة البوصة فى المحروسة والحامدية وأولاد نجم وشرق بهجورة، التابعين لمركز نجع حمادى، والسمطا وأبو مناع بمركز دشنا والطويرات بقنا، والسلامات والكرنك التابعتين لمركز أبو تشت، وقرية اسمنت التابعة لمركز نقادة.


وقد عرف أن هذه القرى ينتشر فيها السلاح وزراعة القصب ولا يستطيع الأمن دخولها إلا عن طريق العائلات الكبرى، أثناء قيام الأمن للفصل بين العائلات للحد من وقوع ضحايا بين العائلات التى يشتعل الصراع فيها بين القبائل، وتفضل القبائل فى قنا عدم تدخل الأمن لإيمانهم الشديد دائما بكفة الثأر، والتى عرفوها عبر الأيام عن طريق الجدود، وذلك حفاظاً على العرف السائد بين القبائل المتناحرة.


وهناك أيضا مركز الوقف التابع لمحافظة قنا، وتشتهر الوقف بزراعة محصول قصب السكر وتنقسم مركز الوقف إلى العديد من العائلات، منها البهايجة والهداورة والمداكير والدندراوية والحمزية والسنابسة، وقد شهدت تلك القرى صراعات كبيرة بين "قبيلة البهاجة"، والمنتسبين إلى الهوارة والدنداروية، والمنتسبين إلى العرب أعنف المواجهات وأشدها فى الأخذ بالثأر.

ومنذ عام أيضا، شهدت قرية المحروسة غرب قنا، لحظات من الرعب وكتم الأنفاس ليس لاشتعال الأزمة بين قبيلتين، ولكن لأن القرية شهدت نوعًا جديدًا من الأخذ من الثأر، حيث إن الانتقام بين أفراد العائلات لم يكن بسفك الدماء، بل بتربص الرجال لبعضهم، حيث قام أحد رجال القبائل، باحتجاز من يمسكون به من أفراد العائلة الأخرى لإذلالهم، حيث يمثل رمزا للرجولة والقوة التى يتمتعون بها، ليعود إلى عائلته التى اعتبرت تلك الفعلة الفريدة والجديدة من نوعها إهانة لا تغتفر ولا بد من الأخذ بالثأر.
من جانبها، قامت العائلة الأخرى باختطاف أحد رجال القبيلة الأخرى، وفعلت كذلك، حيث قامت بحلق شعر رأسه وشاربيه ولحيته وحاجبيه، ثم أطلقت بعض الأعيرة النارية فى الهواء ابتهاجا بأخذ الثأر وتم إجراء مصالحة بين أفراد العائلتين خشية تطور الخصومة بينهما، بعد أن أصبحوا مصدرا للسخرية والاستهزاء بين القبائل الأخرى.

فيما أكدت دراسة جامعية، أعدها الدكتور سيد عوض، الباحث بجامعة جنوب الوادى، والتى اعتمدت على اختيار 3 قبائل، لبحثه وهم قبيلة الأشراف، والتى ينتمى نسبهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وقبيلة الحميدات والمنتسبين إلى الهوارة، وقبائل العرب، واتخذ من دشنا وقراها موضوعا لتطبيق دراسته، حيث إن السمة المميزة لقبائل قنا، أنهم جماعة تضم عدداً من العائلات، وهذا النظام يختلف عن النظم الاجتماعية الأخرى كالطائفة أو الطبقة أو الأمة.
وأكد الباحث أن هناك مجموعة من الأمثال الشعبية رسخت هذه المفاهيم منها، (ابن عمها ينزلها من فوق ظهر الحصان)، بمعنى أنه يستطيع أن يأخذها ولو كانت فى طريقها إلى بيت الزوجية، حيث إن ابن العم يلتزم بزواج البايرة "العانس"، حماية للعرض وهو كالأخ مطالب بالدفاع عن الشرف، فزواج الأقارب يمهد له منذ سن مبكرة بين أولاد العم، ويتم هذا التمهيد بين الآباء دون علم الأبناء، ويعد هذا الاتفاق ميثاقاً لابد أن يتم ولا رجعة فيه، فعادة حجز الطفلة يبدأ فى بعض الأسر منذ ولادتها، وأحيانا يتم الزواج قبل بلوغ السن القانونية، وتراعى غالبية القبائل التدرج القربى العاصب فى الاختيار للزواج.

وأضاف الباحث أن نظام الزواج فى مجتمع قنا، لا يزال مرتبطا إلى حد كبير بالعادات والتقاليد والأعراف السائدة، وخاصة فى القطاع الريفى منه، حيث تعطى هذه العادات والتقاليد فى بعض القبائل الحق للذكور فى الزواج من خارج القبيلة، فى حين تحرم الإناث من هذا الحق، حتى وإن ترتب على ذلك عدم زواجها إطلاقاً. فوضع المرأة فى صعيد مصر ما زال مثقلاً بالعادات والتقاليد والرواسب الثقافية المحافظة.

وأشار الباحث إلى أن هناك مشاهدات واقعية إلى عدد كبير من الفتيات اللاتى استطعن الحصول على حظ وافر من التعليم والوصول إلى مراكز مرموقة فى العمل، وفضلن التواجد فى أماكن بعيدة عن محافظة قنا، رغبة فى الحصول على استقلالهن، وهروبا من الضغوط القبلية، وفضلن عدم الزواج نهائياً من الصعيد.

وقال الباحث الدكتور سيد عوض، عن الزواج عند قبائل قنا، وما ينتج عنه من جرائم، لافتا أنه نظام داخلى وخارجى، فهم يفضلون زواج بناتهم من أبناء عمومتهن، "فالقريب أولى من الغريب"، إلا إنهم لا يفضلون زواج بناتهم خارج قبيلتهم وعدم تزوجيهن من الخارج، والعائلة التى تخالف هذا التقليد ترمى بالتحقير وتتخذ ضدها إجراءات خطيرة.

وأشار الباحث عن نظرة الزواج عند القبائل، فيقول: "المجتمع ينظر إلى الشخص الذى لا يتزوج على أنه شخص غير طبيعى ويكون موضعا للسخرية والاحتقار ويحارب المجتمع الأشخاص الذين لا يتزوجون أو حتى يتأخرون فى الزواج بكل الطرق، ويشيرون إليهم بسوء السلوك"، مشيرا إلى أن ضحايا تقاليد القبائل فى قنا أغلبهم من الجيل المتعلم والمثقف بين القبائل.

ويعد ضحايا هذه التقاليد مساويا بضحايا العنوسة والجرائم المرتبطة بعدم تزويج القبائل لبناتها خارج القبيلة مثل الثأر وغيره، ثم يتطرق إلى ضحايا العنوسة تفصيلياً وإلى ما خلقته القبائل من عنصرية بين الأجيال الصعيدية.
قول السيد عوض إن الخوف من تقاليد القبائل فى قنا جعل بعض الفتيات وأسرهن ضحايا، مشيرا إلى أن هشاشة تلك المعتقدات التى ليس لها أساس دينى متجذرة بشكل غريب، لافتا أن الحديث النبوى الشريف الذى أخبر عنه فى الأثر ضعيف، والذى جاء فيه، "أن فى أمته أربعاً من أمور الجاهلية وهى 1-الفخر بالأحساب، 2- الطعن فى الأنساب، 3- الاستسقاء بالنجوم، 4-النياحة".


وهذه أسباب الثأر
وتبين إحصاءات الأمن العام، أن دافع الأخذ بالثأر فى
جرائم القتل العمد فى أنحاء مصر قد انخفض من 14.5% من تلك الجرائم فى عام 1961 إلى 10.5% فى عام 1999.
إلا أن محافظة سوهاج، حيث تنتشر الجبال بشكل كبير، ارتفع من 17.5% من جرائم القتل العمد فى تلك المحافظة عام 1961إلى 23.1% فى عام 1999.
وهو يشير إلى أن تعامل العائلات فى صعيد مصر يختلف من مكان إلى آخر فى الأماكن الجبلية التى تحصد عائلة القتيل أرواح أى فرد من أفراد عائلة القاتل سواء كان أخاه أو أباه أو أبناءه أو من لهم صلة قرابة للجد الخامس.
أما فى الأماكن الأكثر تحضرا من المناطق الجبلية، يكون الثأر من القاتل أو أبنائه أو إخوته فقط، كما تعد
مكانة القتيل واحدة من أهم أشكال الثأر، فلو كان القتيل شابًا أو زعيمًا فى عائلته، يحصد فى مقابله عدد كبير من الأقارب.
ولا يختلف الأمر كثيرا بين المرأة والرجل، ففى حالة فراغ الأسرة من شباب أو رجال قادرين على الثأر، تحمل السيدات السلاح للانتقام، بل إنها لا تجد أى مشكلة فى أن تزيد من حدة وتصاعد المشاكل ولا تتردد فى تهديد الرجال بالأخذ بالثأر
الثأر فى عيون العلماء

يرجح علماء علم النفس والاجتماع أن غياب العدل بشكل ملحوظ وراء انتشار الظاهرة، إذ إنه كلما غاب العدل وجب الثأر، والعكس، وكذا عدم البت فى القضايا المعروضة أمام أجهزة القضاء أو النيابة العامة وإصدار الأحكام القضائية المتصلة بها دون مماطلة أو تأخير أو تسويف خلال مرحلة تنفيذ الإجراءات القضائية، مما يؤدى إلى ضياع حقوق الضعفاء فى أروقة القضا ء، بالإضافة إلى تفشى ظاهرة (الرشوة)، وما تؤدى إليه من آثار سلبية فى ضياع دماء الناس، وغياب الوازع الدينى عند الفرد والمجتمع والمتمثل فى عدم اعتماد الفرد والمجتمع ما أقره شرع الله، وغياب وجود التربية السليمة فى البيت والقائمة على غرس قيم الخير والتسامح والتراحم ونبذ العنف، الأمر الذى يؤكد على أهمية التربية الدينية والتعليمية وغياب دور علماء الدين والمرشدين وأجهزة الإعلام، وعدم تنفيذ أحكام القصاص الشرعى، وانتشار الأسلحة وسهولة الحصول عليها، وحيازتها بسبب أو بدون سبب، وعدم وجود الآلية السريعة للإبلاغ عن مرتكبى جرائم القتل لجميع الأجهزة الأمنية فى عموم المحافظات، وتدخل المصالح والأطماع والمحسوبيات، والحالة الاجتماعية والظروف الاقتصادية الصعبة.

وقال الأمن
أكد مصدر أمنى أن الحل الأمثل للقضاء على مشكلة الثأر فى الصعيد، تتمثل فى ضرورة تضافر الجهود من كل الأجهزة على السواء، فتقوم المحليات بتقديم الخدمات التى يعانى أهل الجنوب من نقصها والتى تشعرهم دائما بعدم وجودهم فى الدولة وهو ما يدفعهم إلى عدم احترام القانون وعدم الانصياع لنصوصه، بالإضافة إلى ضرورة النهوض بالتعليم والتثقيف، وأن يقوم رجال الدين بدورهم فى غرس القيم الدينية الأصيلة، والتى تجمع الناس على مبادئ واحدة وقيم إنسانية رفيعة، كما لا ينبغى أن يتحمل الأمن بمفرده تبعات ما يحدث، لأن العادات والتقاليد الجامدة أكبر بكثير من فرض السيطرة الأمنية، وأنه إذا تمت الحلول من جذورها فإن ذلك يسهل من مهمة الأمن.
;