مُدَوَّنَةُ الْفَجْرَ الْجَديدَ تُرْحِبُ بالإخوة الزّائِرَيْنِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَنَرْجُو مِنْ اللهِ أَنْ الْمُدَوَّنَةَ وَمَا فِيهَا تَحَوُّزَ إعجابكم ومتمنين مِنْ اللهِ الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ لَكُلَّ زَوَّارَ وأعضاء الْمُدَوَّنَةَ إدارة الْمُدَوَّنَةَ

المصريون | الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق : لا يوجد أي قوة يمكنها أن تعيد مصر إلى الديكتاتورية من جديد

المصريون | الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق : لا يوجد أي قوة يمكنها أن تعيد مصر إلى الديكتاتورية من جديد:

'via Blog this' قد يجهل الكثيرون من أبناء جيلي فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عبد الخالق حفظه الله، وحُق لهم ذلك، فإن الطغاة الذين حرموا هذا الوطن من أبنائه الشرفاء النجباء سنوات طوال - ليس فقط الذين هاجروا منه - ، وإنما حرموه أيضًا من أبنائه الذين عاشوا على أرضه، فهذا الوطن الـمسلوب منذ زمن بعيد بدأ يستعيد نفسه ويستعيد أبناءه الذين حُرِمَ منهم وحُرموا منه، مشاعر فياضه لـمستها من شيخنا حفظه الله تجاه وطنه حينما كنت أجري معه هذا الحوار، ولعل من حسن الطالع أن يعاين شيخنا بعينه ثمرة فكره، ويلمس بنفسه حصاد جهاده، فهو الرائد لهذا الـمشروع السلفي الذي تشكلت بداياته في الكويت، ثم انتقل إلى البحرين، ثم إلى السودان، وها هو الآن ينطلق كالـمـارد من مصر ، وقد آثر ت في حديثي معه - حفظه الله - التركيز على هذا الـمشروع واعتبرته رسالة خاصة للسلفيين من جهة ولغيرهم من جهة أخرى.

ولا شك أن الـمشروع السلفي في مصر أصبح محط أنظار العالم أجمع، وأصبح جزءًا لا يستهان به، وبلغ حدًا من التجذر في الـمجتمع لا يمكن معه اختفاؤه أو تراجع تأثيره.

ـ بداية فضيلة الشيخ ، قررت العودة إلى وطنك الذي أحببت بعد طول غياب ، كيف تصف لنا مشاعرك وأنت تنزل إلى مصر بعد غياب دام أكثر من ثلاثين عامًا؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد ومن اهتدى بهداه وعمل بسنته إلى يوم الدين وبعد، الحقيقة رجوعي إلى مصر هو حمل رسالة بُشرى وتهنئة إلى أهلها على هذه النقلة الهائلة التي يسَّرها الله تبارك وتعالى لهم، أهنئهم بانتقالهم من حكم استبدادي إلى حكم آخر تعددي قائم على الحرية وعلى مشاركة الشعب في اختيار من يمثله سواء في المجالس النيابية أم في اختيار رئيسه بنفسه؛ أشعر بأني أرجع إلى مصر وهناك فاصل بين عهدين مختلفين تمامًا، ولا شك أن في مثل هذا الموقف يشعر الإنسان بالغبطة والفرح والسرور والرضا، وأسأل الله تبارك وتعالى أن تنتقل مصر إلى هذا العهد الجديد بأمان، وأن يترسخ فيها نظامها التعددي الحر الذي ينعم فيه المسلمون بحرية العمل للإسلام ونشر مبادئه، وتثبيت أركانه إن شاء الله.

ـ بعد مرور عام من ثورات الربيع العربي هل تعتقدون أن هذه الثورات حققت طموح الـمواطن الذي سعى إلى هذا التغيير؟

هذا لا يسمو فقط إلى طموح المواطن، هذا فوق التصور والخيال، ما كان أحد يتخيل هذا الأمر لا بأي استنتاج ولا بأي توقعات، أن تتغير أوضاع الأمة الإسلامية بهذه السرعة وبهذا التحول ما كان هذا يُتصور ولا يُتخيل، ما حدث نقله هائلة كأنها نقله من الظلام إلى النور، من الاستبداد وكبت الحريَّات، ومصادرة الدين وتعقبه في كل مكان إلى أمر آخر، فنتمنى أن يحكم الإسلام هذه الشعوب، وأن ينشر عدله في ربوع الأرض، ونسأل الله أن يَثْبُت هذا الأمر ويترسخ، وإلا فالأعداء المتربصون بالأمة كثيرون داخل الأمة وخارجها.

ـ هذه الـمعكرات التي تظهر بين الحين والآخر من فوضى ومظاهرات هل يمكن أن توقف مسيرة هذا التغيير ويتحول الأمر إلى فوضى خلاقة؟

أظن أنه بعد هذا التغيير لا يمكن أن يكون هناك رجعة إلى الوراء مرة ثانية، فلا توجد أي قوة يمكن أن تعيد مصر أو أي بلد تحرر بهذا الشكل إلى الديكتاتورية من جديد، هذا الأمر أصبح صعبًا الآن، لكن من الممكن أن تحدث بلبلة وفتنة وتأخير للاستقرار، فالأمور نظن أنها ستسير إلى الأصلح وإلى الاستقرار إن شاء الله.





ـ هل زوال الأنظمة الفاسدة والـمستبدة كاف لإصلاح الأوضاع في عالـمنا العربي؟

لو قام نظام على التعددية الحزبية وعلى نظام شوري، وإذا هُيئ لإدارة البلاد أناس صالحين صلحت الأمور، ولكن إذا جاء أناس فاسدون يبحثون عن مصالحهم الشخصية ويتنافسون فيما بينهم من الممكن بقاء السوء، ومعلوم أن النظام السابق كان نظامًا استبداديًا يحكم فيه حاكم فرد، يُزوِّر ويُزيِّف إرادة الناس، ويضع أناس مفسدين حوله، ويحكم بالحديد والنار، فمهما كان المتوقع من سوء في الفترة القادمة فلا يمكن أن يقارن بالحكم الاستبدادي السابق، فإذا هيئ رجال مخلصين من الأحزاب المختلفة، وكان لديهم القدرة على رعاية المصالح العليا لوطنهم ولم يتكالبوا على حطام الدنيا سيكون أمرًا مختلفًا إن شاء الله.

ـ هذه النقلة الهائلة التي بدأت في تونس ثم مصر ثم ليبيا وغيرها من البلدان هل تعطيكم مؤشرات وتنبؤات أن الأمة مقبلة على مرحلة جيدة من تاريخها؟

لا شك في ذلك، هذا بعثٌ جديد للأمة، ومرحلة جديدة لها إن شاء الله، الأمة كانت مستلبة وإذا أردنا أن نمثلها فهي كانت كطائرة مختطفة يتحكم فيها مجموعة من اللصوص، والآن عادت القيادة للأمة مرة ثانية ونسأل الله أن يستقر الأمر، فإذا حورب الفساد في الداخل، وحورب التدخل الأجنبي في الخارج فالمتصور إن شاء الله أن يكون هناك تمهيد لبعث إسلامي شامل وكامل في كل البلدان، ولعل هذا يكون تمهيدًا لوحدة واحدة، فما نراه من توسع للعمل الإسلامي والعاملين للإسلام على هذا النحو سيفرز بلا شك قاعدة من الشعوب المسلمة، وإذا وجدت هذه الشعوب المسلمة وجدت الحكومات الراشدة.

ـ ما رأيكم في دخول السلفيين للعملية السياسية وخاصة من خلال حزب سياسي هو حزب النور الذي أخذ جدلاً واسعًا سواء من أبناء الـمنهج السلفي نفسه، أم من الحاقدين والـمبغضين لهذا الـمنهج؛ فبعض الفضلاء الأخيار قالوا أن السلفيين ليسوا هم رجال الـمرحلة وننأى بهم أن يدخلوا في هذا الـمعترك، وبعض الحاقدين قال ما دخل السلفيين في العمل السياسي؟ هؤلاء يريدون أن يقفزوا على السلطة وعلى مكتسبات الثورة إلى غير ذلك ؟

بدايةً أقول إن الذي يُحرِّم العمل السياسي الإسلامي على أي فصيل إسلامي ليس لديه دليل من الكتاب أو السنة، بل الدليل على خلاف ذلك، معلوم أن أمور السياسة من أمور الحكم، والحكم من أصول الإسلام، فمن أصول الإسلام إقامة حكم راشد يحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويقيم العدل في الأرض، فالإسلام ليس عقيدة خاصة يعتقدها كل أحد بينه وبين ربه ولا علاقة له بالآخرين، هذه الأمة حُمِّلت أمانة، وهي حمل هذا الدين وتبليغه إلى الناس، ولا يمكن أن يعيش المسلمون إلا في إطار جماعة، ولذلك بعد أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم الأمة التأمت مباشرة واجتمعت على الصديق رضي الله عنه لدينها ودنياها، لدينها لتقوم بما أوجبه الله عليها من الجهاد في سبيله، ونشر هذا الدين وحمايته، ولدنياها لإصلاح مصالح العباد، الدين جاء لهذا، ولم يختلف أحد قط على هذه المبادئ، وهي أن الإسلام لابد فيه من نظام وحكم وقيام بأمر الله تبارك وتعالى.

فأن يقال الآن: السلفيون لا شأن لهم بالحكم ولا بسياسة الحكم، ويجب أن ينعزلوا في العبادات في الصلاة وفي الصيام وغيره، هذا إنكار معلوم من الدين بالضرورة، وإنكار لأصول الدين وشرائع الدين، كيف يترك المسلمون الحكم للادينيين والعلمانيين ، المسلمون مجمعون على أن الحاكم يجب أن يُقوَّم كما قال تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعم ما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا )، وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً)، هذا أمر للمسلمين كلهم أن يضعوا أمانة الحكم في أهلها، ثم يقوموا مع هذا الحاكم على تطبيق أمر الله تبارك وتعالى بالعدل، قال تعالى: ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )، وإذا اختلفوا في أمر أن يردوا هذا الأمر إلى كلام الله وكلام رسوله، فالذي يقول المسلمين لا شأن لهم بهذا فيكون قد ضيع أكبر أمانة من أمانات الدين وهي أمانة الحكم، وهذه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها من علامات الساعة: ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة )، فهؤلاء الذين يدعون السلفيين ألا يكون لهم شأن في الحكم، إنما يسندون الأمر إلى غير أهله، يسندون الأمر إلى الشيوعيين والاشتراكيين والعلمانيين والليبراليين وهم يقعدوا عندهم، فإسناد الأمر إلى غير أهله من أعظم الفساد وهو من علامات فساد الناس قبل قيام الساعة، أمَّا الذي يقول ما دخل السلفيين في هذا الأمر دعهم في أمور العبادة؛ لماذا؟ أليسوا بمسلمين يتحملوا أمانة الإسلام؟ أهو حق على كل أحد من ناصريين وشيوعيين واشتراكيين أن يمارسوا السياسة ولا ينكروا عليهم، وإذا دخل من يستظل بالمظلة الإسلامية يصبح حرام عليه وعيب عليه لماذا؟ إذا كان السلفيين لم يدخلوا في المعترك السياسي في نظام الحكم الاستبدادي فذلك لأن الباب كان مغلقًا، الحاكم مستبد يملك السلطة ويزيف إرادة الناس.

ـ ما رأيكم في حزب النور، وهل فكرة تكوين حزب سلفي فكرة مرفوضة لأننا سننافس الأحزاب وأننا نفرق الـمسلمين وكلمتهم بهذا الحزب ؟

حزب النور حزبٌ مبارك، لأول مرة في تاريخ العمل السياسي وفي تاريخ الأحزاب يتشكل حزب في شهور ثم يدخل الانتخابات في بلد واسع مترامي الأطراف فيه حوالي تسعين مليونًا شخص مع الاختلافات الشديدة بينهم، ويدخل المنافسة مع أحزاب عمرها ثمانين وتسعين سنة، ثم يتقدم هذه الأحزاب كلها، في ظني أن النتائج التي حققها حزب النور تفوق جميع النتائج التي حققتها هذه الأحزاب كلها، هذا أمرٌ مذهل لم يُتصور ولا يُتصور في تاريخ الأحزاب التي قامت في الدنيا كلها، أن يتشكل حزب بهذه السرعة ثم يحقق هذه النتائج في الساحة المصرية المليئة بالتناقضات وفي هذا الوقت القصير يحقق هذه النجاحات، فحزب النور حزب مبارك، وظني أن الله تبارك وتعالى بارك في العمل القليل الذي عملوه وأدى إلى هذه النتائج العظيمة الطيبة في هذه المدة القليلة، ونظن أن ذلك يرجع إلى إخلاص القائمين عليه وأن هدفهم الدين، وكذلك أوضحت تلك النتائج أن القاعدة الشعبية المصرية قاعدة نظيفة تحب أهل الدين، وأنهم صوتوا لهذا الحزب لا لأن لديه أموالاً يوزعها على الناس، ولا هدايا ولا خزائن فتحها لهم، وإنما الناس صوتوا له لله، ولا ينتظرون منه أنه هو الذي سيجري معاملاتهم، ويسهل أمورهم ولا نحو هذا، وأنا أرى أن الذين ترشحوا ترشحوا لله، وأن الذين صوتوا صوتوا لله، فالمسألة كلها إن شاء الله في الخير وفي الدين ونسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع.

ـ من وجهة نظركم لـماذا أخذ الـمشروع السلفي في مصر هذا الجدل الواسع حتى من مراكز الدراسات الأمريكية والغربية التي أفردت له مقالات ومؤتمرات وأبحاث؟

هذا أمر متوقع، لأن هذه ظاهرة ما حدث مثلها في التاريخ كله، أناس كانوا معلومين عند الجميع أنهم من أهل المساجد ومن أهل الدعوة، وهم معروفين بأنهم أهل دعوة سلمية في مساجدهم وأنهم ما زاحموا أحد في أي معترك سياسي من قبل، ثم يجدوهم فجأة يظهرون بهذا الأمر، وبهذا النهوض، وبهذا التنظيم، وبهذا الإقبال، إقبال الناس عليهم وتقاطرهم عليهم، وكونهم على هذا النحو فهم فاجأوا الجميع، ممكن الذي لم يفاجأ بهذا السلفيين أنفسهم لأنهم يعلمون أن قاعدتهم في المجتمع المصري عظيمة، لكن الآخرون لا شك أنهم تفاجأوا بهم وقالوا: من أين أتى هؤلاء؟ من أين خرج هؤلاء؟ السلفيين لم يكن لهم أي كيان رسمي على وجه الأرض، لا جمعية، ولا جماعة ولا غيره، ثم كيف لهم في بضعة أشهر يتم لهم الأمر على هذا النحو، ولذلك كان لابد لهم من دراسة هذه الظاهرة كيف خرجت وكيف أصبحت على هذا النحو.

ـ هل يمكن للمشروع السلفي الـمصري مقدمة لـمشروع إسلامي عالـمي ينطلق من مصر؟

نرجو ذلك، وعلى العموم مصر دائمًا كانت تقود الأمة الإسلامية كلها في الخير وفي الشر، من يحكم مصر، ومن يكون فيها ينظر إليه الناس على أنه أكبر ممن حوله، فهي أعرق دولة من حيث التعليم والتاريخ والحضارة، وكانت مصر دائما تقود بقية الدول، فنرجو إن شاء الله إذا أقيم كيان ونظام إسلامي صحيح في مصر ينعكس ذلك على بقية الدول العربية بل والدول الإسلامية كذلك إن شاء الله.

ـ كيف يمكن للسلفيين في مصر أن يحققوا الـمعادلة الصعبة في الجمع بين العمل الدعوي والعمل السياسي؟

لا يوجد معادلة صعبة، لأن الفصل بين السياسة والدين هذا فصل مفتعل ليس من الدين، فالذي يذهب إلى صندوق الاقتراع ليضع بطاقة ترشيح هذا عمل ديني، لأنك ترشح هذا الشخص لدينه وهو الأنفع للأمة والأنفع للناس، الدين جاء لرعاية مصالح الناس في الدين والدنيا، فهذا العمل وإن سماه الناس عملاً سياسيًا فهو عملٌ ديني من أعمال الدين، ففيه شهادة والشهادة من الدين، قال تعالى: ( والذين هم بشهادتهم قائمون)، وأنه لابد أن يشهد بالحق، قال تعالى: ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون )، وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين )، وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء لله قوامين بالقسط )، فهذه شهادةٌ ولابد أن يكون الشخص الذي يدلي بصوته يراعى الله تبارك وتعالى في هذا الصوت.

فالشاهد أنه ليس هناك في الإسلام سياسة تنفصل عن الدين، السياسة جزء من هذا الدين، فمن يقول بهذا الفصل هي من مقولة النصارى الذين فصلوا الدين عن الدنيا، الذين يقولون دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وأرادوا أن يطبقوها أيضًا على الإسلام وهو أن يحصروا الإسلام في العبادات الصلاة والصوم والحج، وأما عمله بالنسبة للسياسة والحكم ودفع الكفار وقتالهم، وإقامة المعاهدات، وإقامة أمة، وإقامة دولة هذا ليس داخل في الدين؛ هذا من المصائب يجب أن نحارب هذا الفكر الذي هو مخالف للدين.

ـ ما هي أهم الأولويات التي يجب أن يركز عليها السلفيون في الـمرحلة الـمقبلة؟

السلفيون ينبغي أن يكونوا حملة دين سواء أصبح الشخص منهم عضوًا في البرلمان، أو كان في دعوته، أو في منبره هو رجل يحمل دين، يحمل هم هذا الدين، يدعو له ويؤسس له، ويدعون إلى تطبيقه في الواقع العملي، هذه مهمتهم وهذه رسالتهم، ولكن كذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فهم لن يرفعوا العصا الغليظة على الناس وهذه تبقى مهمتهم.

وأولى الأولويات كذلك أنهم لابد أن يدركوا أبعاد سياسة الحكم، وأبعاد السياسة الشرعية هذا أمر مهم جدًا، فلا يصح للمسلم الذي سيعمل بالسياسة أن يكون جاهلاً بهذه الأحكام، فالمسلمون الذين جاهدوا وقاتلوا الكفار لابد أن يعرفوا أحكام الجهاد، وأحكام الهدنة، وأحكام العهد، وأحكام المحاربين، فقد يكون هناك من المسلمين من لا يعرف بعض أحكام الدين، ولكن إذا دخل في أمر من هذه الأمور فعليه أن يعرف أحكامها، فمثلا ليس فردًا على كل مسلم أن يعرف أحكام الطلاق إلا إذا وجب عليه فلابد أن يعرفه قبل أن يُطلق وإلا كان آثمًا في هذا، من هنا كان لابد للسفليين الذين دخلوا البرلمان أن يعرفوا هذا العلم -علم السياسة الشرعية-، ما هو الواجب شرعًا على الحاكم وعلى المحكوم، متى يتقدم ومتى يتأخر، أن يعرف المصالح التي يجب أن تراعى، ويكون لديه القدرة على الترجيح بين المصالح والمفاسد، كيف يسايس الأمر، لابد من معرفة هذا، فهذا علم يجب على السلفيين تعلمه.

ـ في ظل الهجمة الشرسة على السلفيين الآن من جميع الاتجاهات حتى من بعض التيارات الإسلامية، ما هي أهم التحديات التي يمكن أن تواجه السلفيين في الـمستقبل وكيف يمكنهم التغلب عليها ؟

أولاً هذه الهجمة التي تشن على السلفيين ستعلمهم، فالإنسان عندما يكون في المعترك سيتعلم بالضرورة، وهذه الفتن هي التي تمحص وتربي، قال تعالى: ( ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين )، فالله ربى المسلمين بهذه المحن، قال تعالى: ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين )، فهذه الابتلاءات والاختبارات هي التي تمحص أهل الإسلام، وتربيهم، وتقوي عودهم وتجعله صلبًا، أما الإنسان الذي عاش عيشة بعيدة عن هذه الاختبارات يكون ضعيفًا، وأرى أن هذا المعترك سيربي السلفيين، سيُخرج منهم رجالاً صادقين صابرين إن شاء الله، وقد فرض عليهم أن يدخلوا ميادين ما دخلوها قبل هذا، وتأتيهم شبهات يجب عليهم التصدي لها ففي ظني هذا ليس شرًا بل هو خير إن شاء الله .

والمسألة تحتاج إلى صبر واحتساب، وقيام بالحق، والله سبحانه وتعالى ينصر عبده إذا قام له بحق ولا يخذله، وما حولهم فهو غثاء والباطل مهما عظم فهو غثاء، قال تعالى: ( قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا )، فأعداء الإسلام ليس لديهم حجة سوى التخويف والسب والتشهير وغير ذلك، هذا كله لا قيمة له ويزول إن شاء الله إذا ساروا في طريقهم واتقوا الله سبحانه وتعالى.

ـ كيف ترون مستقبل العلاقة بين التيارات الإسلامية في مصر في الفترة الـمقبلة خاصة في ظل الـمساحة الكبيرة من الحرية التي أتيحت لهم مؤخرًا، وخاصة تحت قبة البرلمان الذي سيكون ساحة مجمعة لجميع هذه التيارات؟

نأمل من الحزبين الكبيرين السلفيين والإخوان تنسيق العمل فيما بينهم داخل البرلمان، ويكون بينهم لجان مشتركة يعملوا من خلالها، وألا يقوم العمل فيما بينهم على التنافس البغيض والتحزب، فهذا لا شك سيؤدي إلى دمار الاثنين، فالذي نأمله أن يكون من الفريقين عقلاء وأن يدخلوا إلى المجلس في ائتلاف واحد وليسوا في حزب يتولى الحكومة والحزب الآخر يكون في المعارضة، إذا دخلوا في هذا الأمر سيكون هناك تناحر وشد وحزب طيلة الوقت، ولابد من تشكيلة حكومة ائتلاف وطني من كل الأحزاب، فالإخوان إذا قالوا نحن الأغلبية واتفقوا مع بعض الأحزاب الصغيرة ليتحالفوا معهم دفعوا الأحزاب الأخرى أن يكونوا من المعارضة، فستبقى العلاقة متوترة، ولن يخرج أي مشروع قانون بسهولة، فلابد أن يكونوا كتلة واحدة ويُغلبوا مصلحة البلد حتى يعطوا صورة صحيحة وطيبة للناس، وأخشى أن يحدث هذا التنازع والشقاق وتُعطل العملية التشريعية، وبالتالي تعطيل المهمة التننفيذية تبعًا لذلك، وتقع البلد في ربكة وإشكالات كثيرة وتعطل مصالح العباد ويمل الناس ويقولوا إن الحكم الاستبدادي كان أفضل من هذه التعددية التي فيها هذه الاختلافات والعطلة لمصالح المسلمين.

ـ ما رأيكم في الخطاب الإعلامي للسلفيين وخاصة أن الكثيرين وصفوهم بأنهم عديمي الخبرة في التعامل مع وسائل الإعلام ويقعون فريسة سهلة للإعلاميين في برامجهم التلفزيونية؟

أنا لست متابعًا لوسائل الإعلام وما يصدر عنها، لكن على كل حال الإعلام المضاد للإسلام إعلام خبيث، فأنا واحد من الناس عندما يأتيني أحد من جريدة معينة أكون متحفظًا جدًا معه، ومع ذلك يأخذ كلامي ويبدله وينزله على غير مقاصده، فقضية الخبث الإعلامي هذه موجودة ولابد أن يكون الأخوة حذرين منها، ولابد لمن يتكلم في وسائل الإعلام واعيًا ولديه فهم بالرسالة الإعلامية، كيف يخاطب الناس، وكيف يرد على الشبهات التي تلقى عليهم فالأمر يحتاج إلى بصيرة.

ـ بالنسبة لنتائج الثورات العربية هل ستتأثر القضايا الـمصيرية للأمة بهذه النتائج كقضية فلسطين مثلا وقضية العراق وغيرها من القضايا؟

أنا أريد من مصر في الفترة القادمة أن تهتم بإصلاح داخلها، فإذا استقرت الأمور بإذن الله وقام حكم نيابي نشطت للهموم العامة الأخرى والخارجية ، لأن مصر الآن مثل الإنسان الجريح المحطم، فإذا أدخلته في معركة أخرى وشتت جهده وأنهكته سيؤدي ذلك إلى فشل أكبر وكارثة محققة، مصر أكثر من نصف سكانها تحت مستوى الفقر، مصر دخلت حروب تحطمت فيها، أدخلها الحكام السابقون تلك الحروب لتحطيمها من سنة 1956 إلى حرب 1967 التي دمرت الأخضر واليابس بدعوى أنه يحارب اليهود، عبد الناصر الذي كان يقول أحارب اليهود وهو يعرض في الشارع صواريخ من الخشب والكرتون ويعرضها للناس على أنه يملك صاروخ الظافر وصاروخ القاهر، ويقول أنا أدمر إسرائيل، هو كان يدمر مصر ولم يدمر إسرائيل، دمرت مصر في 67، أكثر من مائة ألف شخص دفنوا في صحراء سيناء، كل مدن القناة دمرت، ثم في حرب الاستنزاف استنزفت مصر كلها لمدة عشر سنوات، ذهب بالجيش المصري إلى اليمن وأهلكه هناك، أكثر من أربعين ألف جندي مصري قتلوا في جبال اليمن في غير قضية، مصر أنفقت أموال هائلة حتى تحرر دول إفريقية، ولما جاء السادات أراد أن ينكفئ إلى الداخل وعمل حرب حقيقية هي حرب 1973، ثم لم يمهلوه إلى أن دخل في معاهدة سلام كبلت مصر، البلد تحتاج إلى أن تصلح البنية الأساسية لها، شريان مصر يحتاج إلى عناية من المصب، مصر مهددة الآن أن هذا النيل تحبس مياهه عنها وتنتهي مصر، فالآن لما يقوم واحد ويقول نحن سنحرر فلسطين، من أين ستحرر فلسطين الآن؟

إذا وفق الله لمصر رئيسًا حقيقيًا من أبنائها المخلصين غير مشترى لا من إيران ولا من الأمريكان ولا غيرها رئيس حقيقي، فلابد أن ينكفئ على مصر يلملم جراحها ويسدد ديونها، فالرئيس القادم سيحمل تركة ثقيلة، فقبل أن يفكر في تحرير فلسطين لابد أولاً من إصلاح أوضاع مصر التي تحتاج أناس يعملون ليل نهار في البناء من جديد، نريد أن يشعر الأغنياء بحاجة الفقراء فيتصدقوا بأموالهم على فقراء مصر، يا أغنياء مصر يا أصحاب المليارات هناك من شعبكم من لا يجد بيت يسكن فيه، فالشاهد أن يتم الحديث عن هذه القضايا الآن وتشغل بها مصر هذا من غير المعقول، لابد أن يدرك العقلاء وخاصة من أصحاب التوجهات الإسلامية الكبرى أنهم قد يجروا مصر إلى كارثة، لابد من بناء جيش قوي، ثم إذا استكملوا هذا البناء عليهم أن يقوموا بهذا الواجب ويتحملوا الواجبات الأخرى ( ابدأ بنفسك ثم من تعول ثم أدناك أدناك )، لابد على الرئيس القادم أن ينكفئ على مصر ويولي وجهته قبلها، ليس نحو أي مكان آخر ويقرب المخلصين، ويبعد المفسدين، يجب أن يولي المخلصين للبلد من وزراء ووكلاء وغيرهم ويبدأ حركة بناء جديدة ويعيد الروح التي فقدها هذا الشعب

ـ ما هي مواصفات هذا الرئيس الذي يمكن أن يقوم بهذه الـمهمة؟

أول وصف أن يكون طيب القلب، مصري يحب مصر، ليس واحدًا من هذه الأحزاب، لا نريد واحد من هذه الأحزاب الموجودة لا من حزب النور ولا من حزب الإخوان ولا من الوفد ولا غيره، نريد رجلاً يختاره الشعب المصري بنفسه، ليس هو الذي يرشح نفسه، يجب على السلفيين والإخوان وغيرهم من الأحزاب أن يبحثوا عن رجل مصري طيب القلب يؤدي الصلوات الخمس، يكون نظيف اليد سواء كان مهندسًا أو طبيبًا أو إداريًا المهم أن يكون معروف عنه نظافة اليد واستقامة الدين ، ويجتمع عليه الناس ويعطوه أصواتهم.

ـ أخيرًا شيخنا بارك اله فيكم في رسائل سريعة ماذا تقول للشعب الـمصري:

أقول للشعب المصري أنت شعب عريق شعب طيبة أصولك كريم نسبك، ينبغي أن تعي هذا وأن ترجع مرة ثانية إلى الاعتزاز بدينك وبوطنك وبأمتك، ولو أحسن المصريين ما أعطاهم الله ووهبهم إياه من خيرات يكونوا أفضل الناس وأغني الناس وأحسن الناس لكن يحتاج هذا إلى من ينفخ في الشعب المصري هذه الروح يعني العزة من جديد ليست العزة الخاوية وإنما العزة بهذا الدين العزة أن يعتز بدينه يعتز بوطنه وأمته فهذا الذي نحتاج في الوقت الحاضر.

ـ رسالة لرئيس مصر القادم:

أقول له كن رئيسًا لمصر كلها وليس رئيسًا للحزب أو الجماعة التي قدمتك واختارتك، ينبغي أن يكون لكل المصريين وأن يعمل للجميع وأن أهم شيء عليه أن يتخذ بطانة صالحة وأن يسعى ويتوج حياته بعمل صالح وخاصة أنه سيأتي بعد عصور طويلة لم يتمتع فيها المصريون باختيار رئيسهم وإنما الرئيس كان يأتيهم رغما عنهم، أنا لا أعرف في تاريخ مصر كلها منذ القدم إلى وقتنا هذا أن المصريين اجتمعوا ليرشحوا رئيسًا يكونون هم من انتخبوه، فليعلم أنه سيكون أول رئيس يأتي إلى مصر بانتخاب ويجب أن تكون فاتحة هذا الأمر خير.

ـ رسالة إلى السلفيين علماء وأتباع:

أقول لإخواني السلفيين يجب أن تقوموا بحمد الله وشكره وتذكروه كثيرًا في أن وفقكم ويسر لكم أمركم على هذا النحو وبما لم تكونوا تنتظروه وتحتسبوه هذا نصر عظيم ما كان في الحسبان.

والذي أراه الآن من هذه الطائفة المباركة من علماء مصر ودعاتها أن الله تبارك وتعالى أقامهم هداة للعالم كله وليس لمصر فقط، فصوت هؤلاء الدعاة الذين ينطلقون في هذه الفضائيات ويسمعون العالم أصبحوا نورًا وهداية للعالم كله وليس لمصر وحدها، وأنا أرى أنهم مجددوا هذا القرن ( إن الله يبعث على كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) فنظن أن هؤلاء هم من سيجدد للأمة دينها ويجدد شبابها، لقد أصبحوا روحًا جديدة تسري في هذه الأمة فأسال الله تبارك وتعالى أن يثبتهم فهم نور مصر ونور العالم أجمع.

ـ أخيرًا دعاء تختص به مصر وأهلها:

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل مصر قائدة وأن يجعل أهلها أئمة وهداة للعالمين، وأن تعود مصر لتقود الأمة الإسلامية كلها إلى العز والنهضة وإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى في الأرض.



الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في سطور:

عبد الرحمن بن عبد الخالق بن السيد بن يوسف، ولد في ( 25 شعبان عام 1359هـ ) بمحافظة المنوفيَّة إحدى محافظات جمهوريَّة مصر العربيَّة، نشأ في أسرة معروفة بالصلاح والعلم، فقد جاهد والده وأخوه في فلسطين عام ( 1948م ) حيث قتل أخوه - نحسبه شهيدًا - على أرض فلسطين المباركة، هاجر والده مع أسرته في عام ( 1945م ) إلى المدينة المنورة.

حصل الشيخ على الثانويَّة من المدينة المنورة وأتم دراسته الجامعيَّة بها حيث تخرج في الجامعة الإسلاميَّة عام ( 1385هـ ) الموافق ( 1965م ).

مشائخه: يذكر الشيخ حفظه الله أن هناك خمسة من المشائخ أثَّروا في حياته تأثيرًا عظيمًا، أولهم والده الشيخ/ عبدالخالق آل يوسف - رحمه الله - والشيخ/ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - ويذكر الشيخ أنه لم تقع عينه على أعلم بكتاب الله وعلوم العربيَّة منه، وسماحة الشيخ العلاَّمة/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي كان نائبًا لرئيس الجامعة الإسلاميَّة أثناء دراسة الشيخ بها، وصحبه الشيخ طيلة السنوات الأربع في الجامعة، والشيخ العلاَّمة/ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله -، والشيخ/ محمد عبد الوهاب البنا، والتقى الشيخ بالشيخ العلاَّمة/ محمد بن صالح العثيمين مرات وكان لدروسه وأشرطتة أثرًا كبيرًا على نفسه، ومن مشائخه أيضًا الشيخ/ عبد المحسن العباد، والشيخ/ محمد سليمان الأشقر.

من مؤلفاته: ( القضايا الكليَّة للإعتقاد في الكتاب والسُّنَّة ) ( الأصول العلميَّة للدعوة السلفيَّة ) - ( الحد الفاص بين الإيمان والكفر ) - ( الولاء والبراء ) - ( السلفيون والأئمة الأربعة ) - ( الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسُّنَّة ) - ( خطوط رئيسيَّة لبعث الأمة الإسلاميَّة ) - ( الشورى في ظل الحكم الإسلامي )، وغيرها من المؤلفات. [ المرجع : كتاب الفتاوى الفلسطينية , الصادر عن مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية] .


;